رام الله-القدس دوت كوم – اربع صور قلمية رصدت ورسمت ملامح قرية امنة مطمئنة تضج بالحياة ياتها رزقها رغدا قبل ان يحاصرها الجدار ويقسم ارضها الاحتلال.. برطعة الفلسطينية لا شرقية ولا غربية اهلها الطيبون المضيافون يستقبلون كل زائر لها بما يليق بارضها السهلة كعينها السهلة التي تشق مياهها ارضها الطيبة ..
من دخلها فهو امن
برطعة – ميس سلامة – على الخط الفاصل بين الضفة والداخل الفلسطيني المتاخم لمحافظة جنين، تقع قرية برطعة على ارض تبلغ مساحتها 4 كيلومترات مربعة.
شيدت البلدة عقب اكتشاف عين ماء تسمى “عين السهلة”، الاكتشاف الذي جعل من المكان مركز جذب سكانيّ مهمّا. وبين عامي (1948 1967)، قسمت البلدة إلى شطرين: شرقية وغربية، ومع فك الارتباط مع الاردن عام 88 أصبح الجزء الشرقي تحت السيطرة الفلسطينية، والغربي تحت السيطرة الإسرائيلية بموجب اتفاقية أوسلو.
التقسيم لم يكن إلا جغرافيا؛ فأهل البلدة لم يبتعدوا عن بعضهم، وأداموا التلاحم بينهم.
في مجلس محليّ متواضع ومزين بالأعلام الفلسطينية، كان لقاء للتعرف على أهم محطات البناء والتحدي للسياسات الإسرائيلية.
بعد الانتفاضة الثانية، وبناء جدار الفصل العنصري، والاستيلاء على عدد كبير من الدونمات، كان لبرطعة نصيب في مواجهة السياسات الإسرائيلية التي تمثلت بإدخال الجزء الشرقي لسيطرة الاحتلال.. ولكن أبناءها بحاجة لتصاريح للحصول على لقمة عيشهم ما جعل معاناتهم مركبة.
أهل البلدة انتهجوا سياسة تعزيز الأمن الاجتماعي، الذي جعل قريتهم مركزا تجاريا يربط الداخل الفلسطيني بشمال الضفة. أما الالتزام الوطنيّ والرقابة الذاتية لدى الأهالي فجعل البلدة نموذجا يحتذى به.
عندما أصبحت برطعة منطقة معزولة، قرر أهلها انتخاب مجلس محلي وإنشاء جمعية “سكان برطعة”، وجمعية للشباب، وكانت المؤسسات الثلاث، شريان حياة للبلدة تضم مختلف اطياف المجتمع، يميزها الالتفاف حول لغة “المصلحة العامة”.
وهكذا، عمل الاهالي على ادارة الصراع مع الاحتلال رغم استخدام الاحتلال شتى الوسائل للتهويد.. لكن “التجربة البرطعية نجحت”.
وفي حديثنا مع رئيس المجلس القروي غسان كبها حول مبدأ الالتزام والحفاظ على التلاحم الاجتماعي في ظل عدم وجود مركز شرطي ومؤسسات قانونية في البلدة، قال: عند عزل البلدة وانتخاب مجلس، أقام المجلس مركزا امنيا غير معلن يتكون من سكان البلدة؛ فمنهم من يراقب السوق، ومنهم من يراقب الافراد ومنهم من ينسق مع الارتباط لتسهيل دخول البلدة والخروج منها.. وهذا المركز يعمل على مدار الساعة.
ونوه كبها إلى أن دور الشباب وتفعيله بجمعية خاصة ساهم بشكل كبير في اعمار البلدة، ونشر الثقافة الوطنية لحماية الجماعة.
وفي حديثه عن الامن، لم ينكر كبها حاجة البلدة لمركز امني “ولكن اهل البلدة لم يتركوا امن بلدتهم يضيع بانتظار سماح الاحتلال باقامة المركز .. فقاموا بمهمات الحماية والامن”، وبهذا استطاعت البلدة الحفاظ على امنها “من دخل برطعة فهو آمن”.
هذه المفاهيم ساعدت في جعل البلدة مركزا تجاريا يوفر الدخل لاكثر من 10 آلاف اسرة داخل المنطقة وخارجها، وإن هذا الدعم ساهم في تطوير البنية التحتية للبلدة، “وهكذا سطر اهل برطعة طرقا جديدة للصمود”.
شاهد شاف كل حاجة في البلدة الوادعة
برطعة – من لارا فهاد – نعلم أن الفلسطيني محكوم عليه البقاء في في غرفة يحددها غيره، لكن ما حجم هذه الغرفة؟ واسعة أم ضيقة؟ مطلة على جبل أم سهل؟ أم أنها تطل على مستوطنة؟ أم أن صاحب الأرض متهم بما لا يكاد يعلمه؟ !
أن تفصل بين نصفيك بضعة مترات، فتسمّى عربيًّا وأخوك إسرائيليا، فهذا الذي ربّما يغيب عن التوقع.
برطعة عائلة واحدة، تتكون من آلاف الأفراد، ولكن حكم القدر فيها سبق.
لم يفرّقها الموت ولا السجن، ولا حتى الغربة. فرقتهم حدود وهمية أكرهوا عليها؛ فبالرغم من نضالهم المستمر للحفاظ على أرضهم وعروبتهم وعائلاتهم..إلا أنهم تفرقوا.
أما الذي فرقهم، فالمعاهدات والاتفاقات. إلا أن بينهم معاهدة خاصة هي أن يبقوا مترابطين.
قرية أمنها على طريقتها الخاصة.. يديرها مجلس قروي مؤلف من أشخاص أرادوا لأهلهم الثبات والترابط، فبقوا كذلك. طوروا بلدهم اقتصاديا فبنوا المحلات التجارية، وأقاموا اقتصادهم بأيديهم ووحدة هدفهم. اهتموا بالزراعة، فغدت بلدهم جنة الله على الأرض، فأينما تولِّ وجهك فثَمَّ أخضر ربيعي يدلك على برطعة !.
أسير فيها ولا أستمع إلا لصوت قلبي، الذي يوحي لي بأنها عربية، وستبقى كذلك.
لكن صوتا آخر يقطع صوت قلبي قائلا: هنا تسكن زوجتي وأولادي، لكنني أسكن -وحدي -في الجانب الشرقي من القرية الذي يعد من أراضي الضفة. وأكثر ما يثير الدهشة أن مشكلته تنطلق من فمه ومعها ابتسامة تطفح بالأمل في أن شمل عائلته سيجتمع يوما .
برطعة…. جنان خلف الجدار
برطعة – من ساري سلمان – على مدخل برطعة حاجز عسكري، لا يسرّ الناظرين، تقف عليه منتظرا دورك لدخول القرية الجميلة في محافظة جنين وكأنك أنت والجندي الاحتلالي تتبادلان الاستهجان نفسه: لماذا هذا هنا؟ وتنسى كل التعب حينما تلتقي الجنان الأرضي التي يحرم الحاجز كثيرا من الناس تفيؤ ظلالها.
انطلقت الرحلة من مدينة رام الله، وسط اجواء فرح ولهفة للقاء أرض الوطن، فهي هناك..
بعد ذلك الجدار العنصري، وخلف ظهر جندي مثقل بسلاحه، رفع علم أبيض يتخلله الازرق كما أظن، لا يهم، ولن أهتم هذه المرة لكل مناظر البشاعة الاحتلالية، فقط أريد رؤية فلسطين.
يسير باص الرحلة عابرا مناطق الشمال الجميلة سهولاً جُبل ترابها بقطرات عرق، نزلت عن جبين فلسطيني اصيل، زخات خفيفة من المطر تزيد الجو روعة وجمالا، انه رونقها الخاص، بين كل هذه المناظر، وابتسامات وضحكات الرفاق، أصرت ارض الشمال ان تعانقنا قبل الدخول، وقف الباص رافضا الحركة، كأنك تسمع “ها انا أرضك اشتاق ابنائي”.
بين قرقعة صوت الموتور، وشدة العشق المرحبة بنا، وكأنها تعانقنا وقفنا مبتسمين نبادل الارض العشق ونغرس بعض الذكريات.
يعبد المحطة المقبلة: أرض فلسطينية جميلة انتقلنا بالباص الجديد الى داخل البلدة، وسط استقبال كريم.. نحن الان محاطون بالابتسامة الفلسطينية داخل البلدية حيث اللقاء مع رئيس البلدية والأعضاء والحديث عن البلد الجميلة لم يطل كثيرا، فما زلنا ننشد أن ندخل برطعة.
مع تخاطف اللحظات ها نحن من امام الحاجز العسكري الخانق ووسط التعقيدات الامنية الاسرائيلية نقف الان: فقط نريد ان نمر.. ان نعبر !!
تحركت عجلات الباص، وقلبي يرتجف فرحا دخلنا نعم لقد دخلنا، فرحة بتحد ام فرحة اللقاء هي فرحة كل شيء.
اصبعي على كبسة الكاميرا وكأنه فرس فك وثاقه، انطلق مسرعا يأخذ الصور من هنا ومن هنا بل من هنا، سأجسد الان كل ثانية بذكرى في هذا البلد.
في برطعة دخلنا ابواب المجلس القروي.. استقبلنا رئيس المجلس بابتسامة ترحيب
بدأ الحديث عن برطعة؛ اتدرون سأسميها المعجزة “برطعة”، القرية الدولة: كثير من المسميات الجميلة قد تضيفها اذا ما تعرفت عليها.
برطعة وفي وسط كل ممارسات الاحتلال وكل سياساته التذويبية ومحاولة اخفاء الهوية الفلسطينية بقيت بامتياز تحافظ على الهوية الممتدة عميقاً في التاريخ.
القرية خسرت أكبر المحميات الطبيعية في فلسطين بجوارها، لكنها لم تمت.
تلك القرية الفلسطينية الواقعة في المثلث الشمالي على الحد الفاصل، بعدد سكانها القليل نسبيا (6000 نسمة) بطبيعتها وأشجارها ورائحتها الجميلة، أصبحت نموذجاً في التحدي، فهذا النظام الاقتصادي حول البلدة الصغيرة سوقا كبيرة لكل الاطياف: لفلسطينيي الداخل، وشغلت ما يزيد على 10000 من الايدي العاملة وسط كل هذا يجب ألا يغيب على الذهن اننا هنا الان في برطعة نفقد عاملا مهما هو الأمن، فقط ابناء برطعة صمام الامان والمرجع لكل صغيرة وكبيرة في هذه القرية، إضافة للشعور الوطني والانتماء والعمل الجاد والإحساس بالمسؤولية والروح الفلسطينية في معركة الوجود مع الاحتلال.. كل هذا أنتج مجتمعاً مترابطاً.
من البلدية الى سوق القرية المزدحمة بالناس وبالمحلات التجارية، نتهادى بخطوات ثقيلة، لا نرغب في ان تنتهي اللحظات حتى لا نغادر هذا الجمال.
وقفنا وعانقنا الهواء، احتضنا الارض، وتسلقنا الجبال، ودخلنا الاحراج، وبقلب كل منا حفر حب كبير مصدره فلسطين.
قد تنتهي اليوم قصتنا مع برطعة، لكن قصةً جديدة تبدأ مع كل قطرة ندى في كل صباح فلسطيني.
قف .. حاجز امامك!
برطعة- فريزة شمالي- بدأت الرحلة من رام الله صباح يوم السبت، واولى محطاتها كانت يعبد القريبة من برطعة..
في يعبد استقبلنا رئيس البلدية وبعض الأعضاء.. وبدأ رئيس البلدية بالحديث عن يعبد وجمالها، وعن شهرتها المعروفة بالتبغ وزيت الزيتون اللذيد.. وفي الطريق الى برطعة كان “الحمص والفول” فطورنا..
في الاستقبال، يقف حاجز عسكري على مدخل القرية لكننا نحن الفلسطينيين تعودنا على مثل هذه الحواجز .. تشعر عند رؤيتك لهذه الحواجز بحجم العنصرية الموجودة فيهم.. وقفت الحافلة على الحاجز، ثم صعد “أبو الوليد” ضابط في الارتباط العسكري الذي قام بالتنسيق لنا للدخول. قال لنا بعدما صعد الحافلة “السلام عليكم .. نحن هنا لخدمتكم علشان راحتكم ما بدنا هويات انا بعرف كلكم طلاب”..
أخيراً ..نحن في برطعة
وصلنا مجلس محلي برطعة الشرقية وهناك استقبلنا رئيس المجلس “غسان كبها” ومعه الاعلامي ناصر ابو بكر ووفد طلابي من نفس القرية عرفونا على قريتهم الجميلة.
في البداية تحدث لنا كبها عن البلدة وعن التجارة فيها ولم ينس أمن برطعة الاقرب للمثالية.
أما عدد سكان القرية فـ5000 نسمة في النهار و30000 في الليل.. والسبب أن سكان برطعة يخرجون في النهار من البلد باحثين عن الرزق، كما أن من لا مأوى له يبات في القرية.
برطعة مقسومة شطرين الغربية والشرقية، ووضعها الاجتماعي هادئ ومستقر ..إلا أنها محاصر بـ 3 مستوطنات ويحدها من الشرق جدار الفصل العنصري الذي فرض على الأهالي التصاريح للتحرك.
بعد الانتفاضة الثانية، ومع تفاقم أزمة أسواق الضفة الغربية أصبحت القرية تعتمد في تجارتها على المتسوقين ذوي حملة هوية الزرقاء، حيث يوجد فيها مدينة صناعية تفوق المدن الصناعية الموجودة في جنين ونابلس وطولكرم.. ويعتاش من هذه الأسواق حوالي 10000 عائلة فلسطينية.
الأمن والدافع الذاتي عند الناس هو الذي جعل الناس والسوق يسيران بهذا المسار “هناك حرب خفية بيننا وبين الاسرائيليين على من يريد فرض سيطرته على الأرض (..) ولأنها أرضنا فعلينا حمايتها والسيطرة عليا بكل ما نملك”، كما يقول كبها.
الزائر لبرطعة يجد فيها تنوعاً يدفعه لزيارتها ثانيةً؛ فهنا خضار وفاكهة من الشمال من جنين وطولكرم.. ومقابلها مفروشات نابلس وبجانبها ألبان الخليل.. وهنا وهناك فلسطين.
عدا عن جبالها والوديان وأشجارها العملاقة الجميلة.. وكأن الشاعر عبد الكريم الكرمي كتب “فلسطين الحبيبة كيف احيا.. بعيدا عن سهولك والهضاب ” لابنة فلسطين الصغيرة..برطعة.
والآن أتساءل كم برطعة بفلسطين هي بحاجة لإخراجها مما تعانيه؟














